السيد محمد الصدر

321

منة المنان في الدفاع عن القرآن

ثانياً : أنَّ الأصل الأوليّ للخلقة هي الروح العليا ، وهي خيرٌ لا شرَّ فيه ، فالأصل إذن هو الخير . ولكن هذا الخير يقترن بشرٍّ في المرتبة المتأخّرة عنه ، ولكن ذلك - في نفس الوقت - متحقّقٌ في المرتبة المتقدّمة على الحياة الدنيا ، فتكون الحياة الدنيا مبتلاة بخير سابق عنها وبشرٍّ أسبق منها ، وإن كان الخير أسبق في نفسه من الشرّ . أمّا كون الإنسان مخلوقاً على الخير فباعتبار الروح العليا ، وأمّا كونه على الشرِّ فبتقريبين : التقريب الأوّل : أنَّ الشرَّ لا يحتاج في وجوده إلى عمل الشرّ ، بل يكفي فيه عدم عمل الخير ، فإذا لم يعمل الإنسان الصالحات فهو على شرٍّ . فالإنسان إمّا أن يعمل الصالحات ، أو يعمل الشرَّ ، أو لا يعمل شيئاً ، فالأوّل هو الناجي ، والآخران هالكان ، ومحلّ الشاهد أنَّ الروح الخيّرة الأساسيّة لا تنفع ؛ فإنَّها لو كانت نافعةً لأثّرت بحالة الوسط ، وهي عدم فعل الشرِّ ، مع أنَّه غير كافٍ في النجاة ، وإنّما ينبغي أن يقترن المقتضي الأساسيُّ للخير بالمقتضي الأساسيِّ للعمل ، وهو عمل الصالحات ؛ لكي تحصل النجاة . التقريب الثاني : أنَّ الفطرة الأصليّة للإنسان وإن كانت صالحة ؛ فمقتضى الهداية موجود فيه تكويناً ، إلّا أنَّ المقتضي لا يؤثّر إلّا مع عدم المانع ، وهو مواكبة العمل مع الفطرة . وأمّا إذا حصل المانع لم تحصل النجاة ، ولذا قيل : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ « 1 » . وهذا مانع عدميٌّ ، يعني : إذا لم يعمل فهو على شرٍّ ، ولا يتعيّن أن يعمل الشرَّ ، مضافاً إلى ارتكاز الشرِّ أيضاً في نفسه ، فالمانع أصليٌّ أيضاً ، وهذا ما تشير

--> ( 1 ) سورة المدّثّر ، الآية : 42 .